عمر فروخ

551

تاريخ الأدب العربي

وكان الحجّاج خطيبا بارعا امتاز بجميع خصائص العصر من جزالة اللفظ ومتانة التركيب وقصر الجمل والموازنة بينها . وكان السجع والصناعة في خطبه قليلين ، أما الاقتباس من القرآن الكريم خاصة ومن الشعر والأمثال فكثير . غير أنه فاق غيره في خطبه بأثر الحزم ( فما هدّد في خطبه إلّا نفّذ بعدها تهديده في من يخالف أوامره ) ، وبسعة الدراية بالناس ونفوذ بصره إلى دخائل نفوسهم . 3 - المختار من خطبه : - خطبته حين تولى العراق : - ترك الحجّاج المدينة متوجها نحو العراق فوصل إلى الكوفة في رمضان من سنة 75 ه ( كانون الأول 694 م ) . دخل الحجّاج المسجد فرقي المنبر وقرأ على الناس كتاب الخليفة بتوليته على العراق ثم ألقى خطبته المشهورة ، وسأوردها في ما يلي مع الأحوال التي لابستها ، لأن تلك الأحوال تكشف عن جانب من جوانب شخصية الحجاج وتدل على جانب من سياسته . حدث عبد الملك بن عمير الليثي ، قال : بينا نحن في المسجد الجامع بالكوفة - وأهل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه - إذ أتى آت فقال : « هذا الحجّاج قد قدم أميرا على العراق ! » فإذا به ( بالحجّاج ) قد دخل المسجد معتمّا بعمامة قد غطّى بها أكثر وجهه ، متقلّدا سيفا متنكبا قوسا يؤمّ المنبر . فقام الناس نحوه حتى صعد المنبر ، ( ثم ) مكث ساعة لا يتكلم . فقال ( بعض الناس لبعض ) : قبح اللّه بني أمية إذ يستعملون مثل هذا على العراق . ثم قال عمير بن ضابئ البرجمي : « ألا أحصبه لكم » - يعني أرميه بالحصباء ( الحجارة ) . وكان بعضهم قد أخذ حصى يريد أن يحصبه بها - فقالوا : « أمهل حتى ننظر » . فلما رأى ( الحجاج ) عيون الناس اليه حسر اللثام ونهض فقال :